Skip Navigation
Skip Left Section Navigation

تصريحات 2009

07 شباط 2009
ميونيخ، ألمانيا

للنشر الفوري

كلمة نائب الرئيس بايدن في مؤتمر ميونيخ السنوي الخامس والأربعين حول السياسة الأمنية

نائب الرئيس بايدن: سعادة السفير، شكرا جزيلا لكم. أيها السيدات والسادة، إنه لشرف عظيم لي أن تتاح لي الفرصة للعودة إلى ميونخ. لقد شاركت في هذا المؤتمر مرات عديدة حينما كنت عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي، وهناك ثلاثة من زملائي في الكونغرس موجودون هنا معنا اليوم. لكن، يشرفني أن أعود إلى هنا، أيضا كنائب لرئيس الولايات المتحدة، ممثلا للحكومة الجديدة والتي نأمل أن تمثل بداية جديدة.

إنه لشرف عظيم لي على وجه الخصوص أن أمثل اليوم هذه الحكومة. فلقد خضنا تجربة هي الأقدم في تقاليدنا: ألا وهي الانتقال السلمي للسلطة. والآن، أنقل إليكم اعتذار صديقين اعتادا الحضور هنا. ولكنه نظرا لأننا لا نزال في خضم الصراع حول التشريعات المتعلقة بما يسمى لدينا بحزمة الحوافز الخاصة بالتعامل مع القضايا الاقتصادية – فقد كان عضوا مجلس الشيوخ جون ماكين وجون كيري يودان الانضمام إلى زملائي الثلاثة من مجلس النواب الموجودين هنا اليوم، لكنهما بعثا باعتذارهما.

لقد أتيت إلى أوروبا نيابة عن حكومة جديدة مصممة على وضع نغمة جديدة ليس فقط في اللهجة التي يتم التخاطب بها في واشنطن، ولكن أيضا في علاقة أميركا مع الدول في مختلف أنحاء العالم. وهذه النغمة الجديدة تتأصل في التعاون القوي بين الحزبين في مواجهة تلك التحديات المشتركة. ونحن ندرك أن هذه التحديات، وضرورة التصدي لها، ليست مجرد فرصة متاحة، وأنها ليست ترفا، بل إنها ضرورة مطلقة. ففي الوقت الذي تشكل فيه كل بداية جديدة لحظة من الأمل، فإن هذه اللحظة، بالنسبة لأميركا والبلدان الممثلة في هذه القاعة، محفوفة ببعض دواعي القلق والمخاطر الكبيرة.

وواجبنا، في هذه اللحظة، تجاه مواطنينا هو، في رأينا، أن ننحي جانبا ضيق الأفق والمفاهيم السياسية الضيقة التي ترفض فكرة عدم وجود غالب ومغلوب والأيديولوجيات المتحجرة، وأن نصغي لبعضنا البعض ونتعلم من بعضنا البعض ونعمل معا من أجل تحقيق الرخاء والازدهار والأمن لكل المجتمعين في هذه القاعة. هذا هو المطلب الذي تستدعيه، في رأينا، هذه اللحظة. وهذا هو ما تعتزم الحكومة الجديدة القيام به.

وقد جمع هذا المؤتمر، على مدى 45 عام، بين الأميركيين والأوروبيين، وفي السنوات الأخيرة، حضره زعماء من خارج دول الأطلسي، للتفكير مليا في الأمور المتعلقة بإجراءات المحافظة على الأمن والسلامة في بلادنا. ولكننا هذا العام، ندرك، أكثر من أي وقت مضى، بأن إجراءات الأمن والسلامة والأمن الاقتصادي أمران متلازمان غير قابليْن للتجزئة؛ إذ إننا جميعا نواجه تهديدا خطيرا يتعرض له أمننا الاقتصادي يمكن أن يزيد من انتشار عدم الاستقرار ويضعف التقدم الذي حققناه في تحسين أحوال حياة مواطنينا جميعا.

ونحن في الولايات المتحدة، شأننا في ذلك شأن العديد من بلدانكم، اتخذنا إجراءات صارمة لتحقيق الاستقرار في نظمنا المالية، ولإنعاش الاقتصاد، آملين أن نتمكن بذلك من إرساء أساس جديد للنمو في القرن الحادي والعشرين. ومن خلال العمل مع الكونغرس، سوف نطرح استثمارات استراتيجية من شأنها أن تستحدث أو تنقذ في اعتقادنا ما بين 3 إلى 4 ملايين وظيفة، وتعزز في ذات الوقت قدرتنا التنافسية على المدى البعيد.

وتتضمن خطتنا مضاعفة إنتاج الطاقة البديلة على مدى السنوات الثلاث القادمة؛ وتحويل السجلات الطبية الخاصة بمواطنينا إلى سجلات إلكترونية لخفض التكاليف؛ وتجهيز عشرات الآلاف من مدارسنا وجامعاتنا وكلياتنا بالفصول الدراسية والمختبرات والمكتبات اللائقة بالقرن الحادي والعشرين؛ وتوسيع نطاق خدمات الإنترنت السريعة في جميع أنحاء الولايات المتحدة؛ والاستثمار، مرة أخرى، في مجال البحث العلمي والتكنولوجيا، وجميعها مجالات تحفز الابتكار. ونحن ننظر، نحن نعمل أيضا على تثبيت الاستقرار في مؤسساتنا المالية من خلال ضخ كميات كبيرة من رؤوس الأموال، وشراء بعض الأصول وضمان أخرى. وأساليب العلاج هذه سيكون لها تأثير، كما تعلمون جميعا، في مناطق تتجاوز شواطئ بلادنا بكثير، تماما كما هو الحال بالنسبة لجميع التدابير التي تتخذونها والتي سيكون لها تأثير يتجاوز حدود بلدانكم.

ونظرا لذلك، فإنه سوف يتحتم علينا التعاون، إلى أقصى درجة ممكنة، للتأكد من أن الإجراءات التي نقوم بها مكملة لبعضها البعض، ونبذل قصارى جهدنا للتصدي لهذه الأزمة العالمية. والولايات المتحدة من جانبها تحاول القيام بدورها. والرئيس أوباما يتطلع إلى حمل رسالتنا إلى مؤتمر الدول العشرين المزمع عقده في لندن في نيسان/إبريل المقبل.

وحتى في الوقت الذي نكافح فيه من أجل معالجة الأزمة الاقتصادية، فإن علينا مواجهة الحرب في أفغانستان التي تدخل الآن عامها الثامن، وحرب العراق التي هي الآن في عامها السادس. وعلينا أن نعترف، كما سبق وأن ذكر كل من المستشارة الألمانية والرئيس ساركوزي في وقت سابق اليوم، بأن هناك قوى أخرى يتشكل منها هذا القرن مثل: انتشار أسلحة الدمار الشامل والأمراض الخطيرة، والأمراض المتوطنة؛ واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ والعداء بين الطوائف العرقية في الدول الفاشلة؛ وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بوتيرة متسارعة؛ والإمدادات غير المؤكدة من الطاقة والمياه والأغذية. كما يجب أن نضيف إلى تلك القائمة أيضا التحديات التي تواجه الحرية والأمن من الأصولية المتشددة.

وفي مواجهة هذه التحديات، سوف تسترشد الولايات المتحدة بالمبدأ الآتي، وهو: لا يوجد تناقض بين مصالحنا الأمنية ومثلنا. بل إننا نعتقد أنها تعزز بعضها بعضا.

لقد نلنا استقلالنا بقوة السلاح، وطوال تاريخنا كانت قوة السلاح هي التي حمت حريتنا. وذلك لن يتغير. ولكن اللحظة ذاتها التي أعلنا فيها حربنا من أجل الاستقلال، في تلك اللحظة قدمنا للعالم القيم التي كانت وراء ثورتنا والاقتناع بأن سياستنا يجب أن تتصف، كما قلنا في ذلك الوقت، بـ"احترام لائق لآراء البشر."

وقد فهم مؤسسو دولتنا في ذلك الحين، وتؤمن الولايات المتحدة الآن، بأن نموذج القوة الذي لدينا يجب أن يتماشى مع قوة مبادئنا. وهذا هو السبب الذي دعا حكومتنا لترفض الاختيار الزائف بين أمننا ومثلنا. إن أميركا ستدافع عن أمننا وقيمنا بشدة، ومن خلال القيام بذلك فإننا نعتقد بأننا جميعا سوف نكون أكثر أمانا.

وأنا أعلم أننا مهما حاولنا بكل جد، فمن المحتمل أن نخفق في الالتزام ببعض مثلنا ومبادئنا في المستقبل، تماما كما حدث وأن فعلنا في الماضي. ولكنني أتعهد لكم، بأن هذه الإدارة ستسعى دائما من أجل احترام القيم التي تحرك الديمقراطية الأميركية، وأود أن أضيف، بأن هذا القيم توثق عرى الروابط بيننا وبين جميع الدول الممثلة في هذه القاعة.

إن أميركا لن تمارس التعذيب. وسوف نحترم حقوق أولئك الذين نقدمهم للعدالة. وسوف نغلق مركز الاعتقال في خليج غوانتانامو.

ولكنه لا تزال تنتظرنا خيارات صعبة. ففي الوقت الذي نسعى فيه للتوصل إلى إطار دائم لنضالنا المشترك ضد التطرف، فإنه سيتعين علينا العمل بالتعاون مع الدول في جميع أنحاء العالم، وسنحتاج إلى مساعدتكم. فعلى سبيل المثال، سوف نطلب من الآخرين تحمل المسؤولية عن بعض الأشخاص المحتجزين حاليا في غوانتانامو، في الوقت الذي نقرر فيه إغلاقه. إن أمننا مشترك. ولذا، فإنني أقول بكل احترام، إن مسؤوليتنا في الدفاع عنه هي الأخرى مشتركة.

هذا هو الأساس الذي نريد أن نبني عليه نهجا جديدا لمواجهة تحديات هذا القرن. وسوف تفعل أميركا المزيد، هذا هو الوجه السار في الموضوع. أما وجهه الآخر فهو أن أميركا ستطلب المزيد من شركائنا أيضا.

وإليكم ما سنقوم به، وما نأمل من شركائنا أخذه بعين الاعتبار. أولا، سنقوم بالعمل كشركاء كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ولن نعمل بشكل منفرد إلا إذا كان هناك بد. فالتهديدات التي نواجهها لا تحترم الحدود الجغرافية. ولا يستطيع بلد بمفرده، مهما أوتي من قوة، أن يواجه هذه الأخطار وحده على أفضل وجه. ونحن نعتقد بأن التحالفات الدولية والمنظمات لا تقلل من قوة أميركا، بل نؤمن بأنها تساعد في تقدم أمننا الجماعي، والنهوض بمصالحنا الاقتصادية وقيمنا.

ولذا فإننا سوف نشارك وسنصغي وسنتشاور. إن أميركا بحاجة إلى بقية دول العالم، وأعتقد أن العالم أيضا بحاجة إلى الولايات المتحدة. ولكننا نقول لأصدقائنا إن التحالفات والمعاهدات والمنظمات الدولية التي نبنيها يجب أن تكون ذات مصداقية ويجب أن تكون فعالة. وهذا يتطلب التزاما مشتركا ليس فقط لمجرد الإصغاء والعيش في ظل القواعد الموضوعة، وإنما ليتم فرض تطبيق القوانين والأنظمة عندما يكون هناك انتهاك واضح لها.

فهذه الصفقة هي الصفقة التي ننشدها. ومثل هذه الصفقة يمكن أن تكون في صميم جهودنا الجماعية لإقناع إيران، على سبيل المثال، على التخلي عن تطوير الأسلحة النووية. إن الشعب الإيراني شعب عظيم؛ والحضارة الفارسية حضارة عظيمة. إلا أن إيران تصرفت بأساليب لا تؤدي إلى تحقيق السلام في المنطقة أو تحقق الرخاء والازدهار لشعبها. وما البرنامج النووي غير المشروع إلا أحد هذه المظاهر.

إن حكومتنا تقوم بمراجعة سياستنا تجاه إيران، ولكن الأمر الواضح هو: أننا سنكون على استعداد للتحدث معها. وسنكون على استعداد لإجراء محادثات مع إيران، وتقديم خيار واضح للغاية هو: أنكم إذا واصلتم المضي في المسار الحالي، فسيتواصل الضغط عليكم وفرض العزلة؛ أما إذا تخليتم عن برنامجكم النووي المحظور ودعمكم للإرهاب، فسوف تحصلون على حوافز مجدية.

ثانيا، سوف نسعى من أجل اتخاذ إجراءات وقائية ، وليست استباقية، لتجنب الخيار الأخير الذي سيضطرنا إلى الاختيار بين مخاطر الحرب ومخاطر عدم التحرك، كلما أمكن ذلك، أو حيثما أمكن. وسنستفيد من جميع عناصر قوتنا، العسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية والاقتصادية والثقافية وما يتعلق منها بتطبيق القانون، لوقف الأزمات قبل أن تحط أمامنا. وباختصار، سوف نحاول استعادة قوة أميركا كاملة، وسنبدأ بالدبلوماسية.

ولقد توجه الرئيس أوباما، في ثاني يوم كامل يقضيه في منصب الرئيس، إلى وزارة الخارجية، حيث شدد على الدور المركزي الذي تضطلع به الدبلوماسية في أمننا الوطني. ويمكن رؤية هذا الالتزام في تعييناته في المناصب الكبرى بحكومته: بدءا بتعيين هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية، وكما يمكن أن نراه في قرار الرئيس تعيين اثنين من أكثر الدبلوماسيين حنكة ومثابرة، وهما السيناتور جورج ميتشيل والسفير ريتشارد هولبروك، للتعامل مع اثنين من أكثر التحديات إلحاحا وحيرة وتعقيدا في العالم: أولهما ضرورة التوصل إلى سلام دائم وآمن بين إسرائيل والفلسطينيين وضرورة الحيلولة دون أن توفر الجبال الواقعة بين أفغانستان وباكستان ملاذا آمنا للإرهابيين.

وفي كل من هذين المسعيين تسعى أميركا لشراكتكم. فقد اختتم السناتور ميتشيل للتو أول جولة له في الشرق الأوسط. وهو، قبل كل شيء، توجه هناك للإصغاء إلى كل ما يقال له. وفي المدى القصير، علينا أن نعزز ونثبت وقف إطلاق النار في غزة بالعمل مع مصر وأطراف أخرى لوقف تهريب الأسلحة، وتأسيس جهة دولية لتوفير الغوث وإعادة الإعمار من أجل شأنها تعزيز السلطة الفلسطينية وليس حماس. وأي من هذين الهدفين لا يمكن أن ينجز بمعزل عن التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وأوروبا وشركائنا العرب.

وبعد ذلك، علينا أن نرسي الأساس لبذل مسعى دولى أوسع نطاقا من أجل صنع السلام. ففي الماضي، أو بالأحرى، أود أن أقول إن الموضوع استغرق منا وقتا طويلا لتأمين ترتيب حل عادل قائم على أساس الدولتين. ونحن سنعمل لتحقيقه. وسنعمل لإلحاق الهزيمة بالمتطرفين الذين يعملون من أجل استمرار النزاع إلى الأبد. وبالبناء على العناصر الإيجابية في مبادرة السلام العربية التي تقدمت بها المملكة العربية السعودية سنعمل على تحقيق سلام إقليمي أوسع نطاقا بين إسرائيل وجاراتها العربيات، كما سنعمل على تقليص عدد قواتنا المرابطة في العراق بأسلوب يتسم بالمسؤولية كجزء من هذه العملية.

وستواصل الولايات المتحدة العمل من أجل تحقيق الاستقرار في أفغانستان بحيث لا تكون ملاذا آمنا للإرهابيين. ونحن نتطلع قدما إلى يكون ذلك التزاما مشتركا بيننا وبين الحكومة والشعب في كل من أفغانستان وباكستان، ومع جميع حلفائنا وشركائنا لأن تدهور الوضع في المنطقة سيمثل تهديدا للأمن ليس للولايات المتحدة وحدها، وإنما قد أستطيع القول إن هذا ربما ينطبق أيضا على كل بلدانكم الممثلة في هذه القاعة.

وقد أمر الرئيس أوباما بإجراء مراجعة استراتيجية لسياستنا في أفغانستان وباكستان للتيقن من أن أهدافنا ستكون جلية، وأنها ستكون قابلة للتحقيق. وفيما نقوم نحن بتلك المراجعة، فإننا نسعى نود الحصول على أفكار ومعلومات منكم ومن جميع شركائنا. ونحن نسعى سعيا جادا للحصول على تلك الأفكار، وإنني عقدت بالفعل لقاءات ثنائية وستكون لي فرصة للقاء الرئيس الفرنسي وزعماء آخرين بعد ظهر هذا اليوم. وقد سنحت لي فرصة لقاء المستشارة (الألمانية) هذا الصباح. ونحن صادقون في طلب مشورتكم.

وفي الوقت الذي نجري فيه هذه المراجعة سيكون هناك الكثير على المحك. وينبغي أن تتمخض عن تلك المراجعة استراتيجية شاملة يتحمل جميعنا المسؤولية عنها، وهي استراتيجية تجمع مواردنا المدنية والعسكرية، وتحول دون وجود ملاذ آمن للإرهابيين، وتساعد الشعب الأفغاني على تطوير طاقاته لتأمين مستقبله. لكنني أود القول، إنه حسب تقديري المتواضع، لا يمكن لأي استراتيجية خاصة بأفغانستان أن تُكلل بالنجاح بدون باكستان. وعلينا جميعا أن نقوي التعاون مع حكومة باكستان وشعبها، وتقديم المساعدة في إشاعة الإستقرار في منطقة القبائل، وتعزيز التنمية الاقتصادية وإتاحة الفرص في جميع أنحاء بلادهم. وفيما يتعلق بحكومتي، فإننا نشعر بأنه يجب أن نتعجل الانتقال من علاقة كانت تتصف بمجرد تيسير التعامل بين الجانبين إلى علاقة ترتكز على أسس طويلة الأمد.

ثالثا، كما ذكر الرئيس (أوباما)، فإن أميركا ستمد يدها إلى أولئك الذين سيرخون قبضتهم. والولايات المتحدة الأميركية لا تؤمن، وحكومتنا لا تؤمن، بحتمية الصدام بين الحضارات. ولا يوجد شيء يؤكد أن ذلك الصراع حتمي أو لا يمكن تجنبه. وما نراه فعلا هو وجود نضال مشترك ضد التطرف، ونحن سنبذل أقصى ما في استطاعتنا لمساعدة قوى التسامح على أن يُكتب لها النصر.

وفي العالم الإسلامي، هناك كما أعتقد عدد صغير جدا من المتطرفين الذين نبذوا الدعوة للتعقل. ومن الواجب علينا أن نهزمهم، وهو ما سيحدث. لكن مئات الملايين من العقول والقلوب في العالم الإسلامي يشاطروننا الإيمان بالقيم العزيزة علينا. وعلينا أن نتواصل معهم. وقد أوضح الرئيس أوباما بجلاء أنه سيسعى لانتهاج سبيل جديد للتقدم نحو الأمام يقوم على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل. ولم يكن من قبيل الصدفة أنه أول مقابلة له كرئيس للولايات المتحدة كانت مع قناة (العربية) الفضائية. هذه لم تكن من قبيل المصادفة.

ومن أجل مجابهة تحديات هذا القرن الجديد فإن اللجوء إلى أسلوبي الدفاع والدبلوماسية مسألة ضرورية. لكن بصراحة تامة، سيداتي وسادتي، فإن هذيْن الأسلوبيْن غير كافيين. بل إننا سنحتاج كذلك لتسخير التنمية والديمقراطية، وهما من أقوى أسلحة ترسانتنا الشاملة. فالمجتمعات الفقيرة والدول الهزيلة، كما تعلمون وكما أعلم أنا، يمكن أن تصبح بؤرا للتطرف والنزاعات والأمراض. كما أن الدول غير الديمقراطية تحبط التطلعات والطموحات المشروعة لمواطنيها وتؤجج مشاعر الاستياء والغضب.

وقد حددت حكومتنا هدفا طموحا يتمثل في زيادة مساعداتها الخارجية وتقليص الفقر المدقع بواقع النصف بحلول العام 2015، والمساعدة في زيادة عدد المتعلمين في العالم، وإلغاء الديون المستحقة على أكثر الدول فقرا في العالم، وانطلاق ثورة خضراء حديثة تعمل على توفير إمدادات الغذاء بصورة مستديمة، وتشجيع انتهاج النظم الديمقراطية لا من خلال فرضها بالقوة من الخارج بل بالعمل مع القوى المعتدلة في الحكومة والمجتمع المدني من أجل بناء المؤسسات التي ستصون تلك الحرية، وبصراحة التي ستكون الضمان الوحيد لكفالة تلك الحرية.

وإننا عازمون على بناء مستقبل راسخ ومستدام لكوكبنا. كما أننا جاهزون لأن نعاود دورنا كقدوة للآخرين. وأميركا ستتخذ إجراءات جريئة لمجابهة تغيرات المناخ والسعي لتحقيق أمن الطاقة مع الدول التي تشاطرها وجهة النظر.

وعلى سبيل المثال فإنن حزمة التحفيز الاقتصادي التي طرحتها حكومتنا تتضمن استثمارات طويلة الأجل في مجال الطاقة المتجددة. ونحن نعتقد أن تلك ما هي إلا خطوة مبدئية. وقد أصدر الرئيس توجيهاته إلى وكالة حماية البيئة الأميركية بأن تراجع القواعد المنظمة لانبعاثات الغازات (المسببة للاحتباس الحراري)، وبدء عملية تهدف إلى زيادة كفاءة استخدام الوقود، وتعيين مبعوث خاص لشؤون المناخ، وكل هذه الإجراءات اتخذها الرئيس خلال الأسبوع الأول من ولايته، لإظهار مدى التزامه.

ومع تجديد أميركا لتوكيدها على الدبلوماسية والتنمية والديمقراطية، والحفاظ على كوكبنا، سنطلب من حلفائنا أن يعيدوا دراسة بعض الأساليب التي ينتهجونها، ومن ضمنها مدى استعدادهم لاستخدام القوة حينما تفشل كل الوسائل الأخرى.

وحينما يتعلق الأمر بالجماعات الراديكالية التي تلجأ للإرهاب كوسيلة لتحقيق أغراضها، والدول الراديكالية التي تؤوي المتطرفين والتي تقوض أسس السلام وتسعى للحصول على أو نشر أسلحة الدمار الشامل، والأنظمة التي تفتك بصورة منتظمة ومتكررة بشعوبها أو تعمل على إبادة أعراق معينة من بين شعوبها، علينا أن نتحد ونقف صفا واحدا وأن نستخدم كل وسيلة في إمكاننا لوضع حد للتهديد الذي تمثله.

وأي منا لا يمكنه الإنكار أو الهرب من أمام التهديدات الجديدة في القرن الحادي والعشرين. كما لا يمكننا أن نتهرب من مسؤولية مواجهتها. ونحن في الولايات المتحدة ندرك مدى صعوبة إيصال تلك الأفكار إلى جماهيرنا التي لا تود أن تسمع الكثير مما يجب أن يُقال.

وبعد شهرين من الآن سيجتمع أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) للاحتفال بالذكرى السنوية الستين لتأسيس الحلف. وقد مثل الحلف حجر الزاوية في أمننا المشترك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وربط الحلف الولايات المتحدة بأوروبا وساعد في تشكيل أوروبا حرة وموحدة. ومعا قطعنا عهدا بصون حرية شعوبنا القائمة على مبادئ ووثائق تؤكد على الديمقراطية وحرية الفرد وسيادة القانون. كما قطعنا التزاما بالتعاون والتشاور والعمل بعزم راسخ حينما تواجه المبادئ التي دافعنا عنها أي تحديات.

وهناك الكثير لنحتفي به، لكن ثمة ما هو أكثر ينبغي علينا القيام به. وعلينا أن نعاهد أنفسنا مجددا على الالتزام بأمننا المشترك وأن نجدد ناتو كي يحقق في القرن الحادي والعشرين نجاحا مماثلا للنجاح الذي حققه في القرن العشرين.

وما زال الغرض الأساسي لناتو هو الدفاع الجماعي عن أعضائه. لكننا في ما نواجهه من تهديدات جديدة وحقائق مستجدة نحتاج إلى عزيمة جديدة لمجابهتها وقدرات جديدة كي ننجح. وعلى تحالفنا أن يكون أفضل عُدّة للمساهمة في وقف انتشار أخطر الأسلحة في العالم، وتعقب الإرهاب والأخطار المحيطة بالأمن على شبكة الإنترنت، وتوسيع نطاق أمن الطاقة، والقدرة على العمل داخل منطقة الحلف أو خارجها والحركة فيما بين الداخل والخارج بأسلوب أكثر كفاءة. ونحن نواصل التطوير، وسنواصل تطوير دفاعاتنا الصاروخية للتصدي لقدرات إيران المتنامية، شرط أن تثبت التكنولوجيا فعاليتها وجدواها الاقتصادية. وسنقوم بذلك بالتشاور معكم، مع حلفائنا في ناتو، ومع روسيا.

ونحن إذ نضطلع بمشروع التجديد هذا، كما نود أن نعتبره، فإن الولايات المتحدة مثل حلفائها الآخرين، سترحب بحرارة، ونحن نرحب فعلا ترحيبا حارا، بقرار فرنسا التعاون تعاونا كاملا في الهياكل الأساسية للحلف.

وفي مباحثاته الأخيرة مع الرئيس ساركوزي، شدّد الرئيس أوباما على دعمه القوي لمشاركة فرنسا الكاملة في ناتو في حال رغبت فرنسا في ذلك. ففرنسا عضو مؤسس لناتو ومساهم رئيسي في عملياته. ونحن نتوقع أن تعكس مسؤليات فرنسا المستجدة مدى أهمية إسهاماتها طوال تاريخ ناتو وتعزيز الدور الأوروبي ضمن التحالف.

كما أننا ندعم تعزيز الدفاعات الأوروبية بدرجة أكبر، كما ندعم أن يكون للاتحاد الأوروبي دور متعاظم في الحفاظ على السلم والأمن، ووجود علاقة شراكة أقوى بين ناتو والاتحاد الأوروبي، ووجود تعاون أعمق مع بلدان خارج الحلف تتشاطر أهدافنا ومبادءنا المشتركة.

إن الولايات المتحدة ترفض الفكرة القائلة إن مكاسب ناتو تعتبر خسائر لروسيا أو أن قوة روسيا تعني ضعف ناتو. وقد شهدت السنوات القليلة الأخيرة تحولا خطيرا في العلاقات بين روسيا وأعضاء تحالفنا. وقد آن الأوان، كما عبر عن ذلك الرئيس أوباما، للضغط على الزر الذي يعيد ترتيب تلك العلاقات، ومراجعة المجالات الكثيرة التي نستطيع، والتي ينبغي علينا، أن نعمل فيها سوية مع روسيا.

إن زملاءنا الروس نبهوا قبل فترة طويلة إلى التهديد المتعاظم لطالبان والقاعدة في أفغانستان. واليوم بإمكان ناتو وروسيا، أن يتعاونا، وينبغي أن يتعاونا، لإلحاق الهزيمة بهذا العدو المشترك.وبمقدورنا، وينبغي علينا، أن نتعاون لضمان حصر الأسلحة والمواد النووية المنفلتة لكي نمنع انتشارها، وتجديد إجراءات التحقق الواردة في معاهدة "ستارت"، ثم علينا أن نذهب إلى ما يتجاوز المعاهدات القائمة للتفاوض حول إجراء تخفيضات أكبر في ترسانات أسلحتنا. وعلى الولايات المتحدة وروسيا التزامات خاصة فيما يتعلق بقيادة الجهود الدولي لتخفيض عدد الأسلحة النووية في العالم.

وإننا لن نتفق مع روسيا في كل شيء. فعلى سبيل المثال، لن تعترف، وأكرر، لن تعترف الولايات المتحدة بأبخازيا أو أوسيتيا الجنوبية كدولتين مستقلتين. كما أننا لن نعترف بوجود منطقة نفوذ لأي دولة. وسيظلى رأينا كما هو، أن الدول ذات السيادة لها الحق في اتخاذ قرارتها الخاصة واختيار تحالفاتها الخاصة. لكن الولايات المتحدة وروسيا يمكنهما أن تختلفا، وفي الوقت نفسه يكون بينهما تعاون حيثما تتوافق مصالحنا. وهي تتوافق في مناطق عديدة.

لقد بدأ هذا المؤتمر في ظل الحرب الباردة. وهو الآن يُعقد في قرن جديد وفي وجود تهديدات جديدة. وكما قال شاعر عظيم، وهو شاعر أيرلندي، في ظروف مختلفة: "كل شيء تبدّل، تبدل تماما، فقد وُلد جمال رائع." وطبعا تبدل كل شيء، وتبدل تماما. وعلينا نحن أن نتغير أيضا، لكن مع بقائنا مخلصين للمبادئ التي تأسس عليها هذا الحلف. ويجب أن نتصف بالشجاعة المشتركة والالتزام المشترك اللذين اتصف بهما الذين أتوا من قبلنا للعمل معا والبناء معا والوقوف معا. وبالإيان المشترك بتلك المبادئ، والبحث عن شركاء في عالم أكثر تعقيدا تتطلع أميركا وأوروبا، إحداهما إلى الأخرى، قبل تطلعهما إلى أية جهة أخرى. لقد استفدنا جميعا من علاقة الشراكة هذه. وقد آن الأوان لتجديدها. والرئيس أوباما وأنا نتطلع إلى فعل ذلك على وجه التحديد.

شكرا على تحملكم (لكلمتي المطولة).

نهاية النص