Skip Navigation
Skip Left Section Navigation

مدونات التواصل

الأمة الاسلامية وأمريكا عملاقان عظيمان الجمع بينهما ضرورة ملحة ومصلحة مشتركة متحتمة

كتبه: د. حمزة ذيب مصطفى

ملاحظة: هذه المدونة تعبر عن رأي كاتبها

في الحلقة السابقة في حديثنا عن زيارة مركزالوليد بن طلال للتفاهم المسيحي الإسلامي في جامعة جورج تاون وحديثنا عن هذه الزيارة بعض الشيء، نكمل حديثنا عنها في هذا اللقاء كي نقول بأن هذه الجامعة إضافة لما أسلفناه عنها فيما مضى فهي جامعة لها عناية بدراسات الشرق أوسطية وتحديداً بدراسة الإسلام. إذ في مركزالوليد بن طلال عشرة (10) من الطلبة الأمريكيين الذين يدرسون فيه، وهناك أربعة (4) من الطلبة يدرسون الماجستير سنوياً. أما إجمالي عدد الطلبة العرب في هذه الجامعة فيبلغون ثلاثمائة (300) طالب وطالبة.

كما أفادتنا الباحثة الفاضلة والمتخصصة في الدراسات الإسلامية بأن عدد المدارس في أمريكا لتاريخ كتابة هذه الحلقات يبلغ مائتين وثلاثين (230) مدرسة. تدرس هذه المدارس المنهاج الأمريكي ويضاف إليه الدراسات الإسلامية.

وهذه إحصائية جيدة جداً فيما إذا علمنا أن عمر الجالية الإسلامية يزيد قليلاً عن مائة وثلاثين سنة. إذ بدأت الهجرة العربية إلى أمريكا من قرى لبنان وفلسطين لكن الهجرة تزايدت بعد سنة 1965م. فقد كان يرد الولايات المتحدة من سنة 1924م – 1965م بمعدل مائة شخص في السنة، وبعد سنة 1965م بدأت الهجرات الإسلامية تتوالى من باكستان والهند وبنجلادش.

وكان أول مصلى قد تم بناؤه في أمريكا سنة (1911م). وكان مصلى صغيراً، في حين يبلغ عدد المساجد الآن في أمريكا ألفين وأربعمائة (2400) مسجد ومصلى. وفي واشنطن وحدها مع الضواحي خمس وثلاثون (35) مسجداً.

كما قمنا في العاصمة واشنطن بزيارة الكتدرائية الوطنية وكان لنا لقاؤنامع لفيف ينتظرنا ناجحاً جداً ومفيداً تجاذبنا فيه أطراف الحديث والحوار. وبالطبع فقد تم الحديث بصورة مستفيضة عن القضية الفلسطينية والشأن العربي والإسلامي من جانب العلاقة مع أمريكا. وكان معنا في هذا اللقاء مجموعة محترمة ومثقفة منها القس الدكتورة "كارول فليت" منسقة برامج ما بين الأديان بكليةالكاتدرائية الوطنية. وقد وجهت دعوة إلى أعضاء بارزين في الجاليات الإسلامية والمسيحية واليهودية في مقاطعة كولومبيا للمشاركة في هذا اللقاء والنقاش على طاولة مستديرة.

ثم بتاريخ 15/7/2009م قمنا بزيارة وزارة العدل الأمريكية في قسم الحقوق المدنية لنلتقي الأستاذ "إريك ترين" مستشار النائب العام وهو مستشار خاص في شئون الحريات الدينية. وكان اللقاء يدور حول موضوع هام هو "دور الحكومة الفيدرالية في حماية الحقوق المدنية للأقليات الدينية، ومنها المسلمون الأميركيون.

وقسم الحقوق المدنية هذا مهمته الدفاع عن الحقوق المدنية للأفراد في مجالات حرية الدين سواء أكان ذلك في الإعتقاد أو أداء الشعائر الدينية أو اللباس الشرعي وغير ذلك. وهم الآن بصدد رفع قضية ضد بلدية نيويورك لأنها تحاول أو تريد التمييز على أساس الدين كالوقوف في وجه الفتاة المسلمة التي تريد ارتداء الحجاب.

كما أن هذا القسم ينافح عن حقوق الموظف من الزاوية الدينية في المحافظة على حقوقه في الصلاة كوقت أداء صلاة الجمعة على سبيل المثال للمواطن المسلم أو يوم الأحد للمواطن المسيحي أو السبت لليهودي. على العموم هذا هو مهمة هذا القسم في وزارة العدل.

ولربما من الطريف أن نذكر في هذا السياق أن بداية حرب تحرير العبيد في الولايات المتحدة كان سنة خمس وستين وثمانمائة وألف (1865م)، وكان ذلك في عهد الزعيم الأمريكي أبراهام لنكولن، وكان الكتاب القصصي الشهير (كوخ العم توم) من المصادر والأسباب التي أشعلت هذه الحرب وأججتها نظراً للحالة السيئة جداً والبائسة التي كان عليها العبيد في أميركا. وقد سبق لي أن قرأت هذا الكتاب واستمتعت به جداً قبل قرابة الثلاثين عاماً، وهو في مكتبتي قبل هذا التاريخ ولله الحمد. وفي سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف (1954م) انتهى الفصل ما بين الطلاب البيض والطلاب السود في المدارس. كما قام الكونجرس في سنة أربع وستين وتسعمائة وألف بسن بعض التشريعات المدنية الخاصة بمقاومة التمييز العنصري والوقوف في وجه هذه الثقافة كالتشريعات التي تشمل الإسكان والوظائف بل ومعظم وجوه الحياة، أو التمييز ضد الجنس (ذكر أو أنثى) أو الدين أو العرق.

ومما لا بد من إضافته هنا على وجه السرعة أو الإشارة إليه مجرد الإشارة القول بأن الإسلام الحنيف كان أسبق من الديمقراطية الحديثة وأسبق من كل التشريعات المعاصرة التي تناهض العبودية أو التمييز العنصري. والنصوص في جانب التحرير من العبودية والحض على هذا التحرر كثيرة منها ما هو في القرآن الكريم ومنها ما هو في السنة. وأنا لست هنا في معرض سوق هذه النصوص ولكن ذلك واضح لكل مثقف أو لديه إلمام بسيط في مجال الثقافة الإسلامية.

كما أن موقف الإسلام من التمييز العنصري أوضح وأكثر جلاء من الشمس في رابعة النهار. قالقرآن الكريم ينص بصريح الآية ألا لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، والرسول الكريم صلوات الله عليه هو القائل: "ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض أو أحمر على أسود إلا بالتقوى". وجاء الأثر أيضاً "الناس سواسية كأسنان المشط".

والنصوص في هذا المجال كثيرة ومتعددة، وليس هذا محل بحثي أو دراستي لكنها جاءت عرضاً وعلى هامش هذه الدراسة إذ الموضوع هو الذي فتق الذهن على استطراد بسيط من هذا القبيل.

كما كان لنا لقاء آخر حول موضوع: "دور خدمة العلاقات المجتمعية في حل الصراعات الدينية وبرامج وزارة العدل الهادفة إلى تشجيع الحوار بين الأديان". كان اللقاء حول هذا الموضوع مع السيدة "بيكي مونرو" وهي مستشارة عليا في وزارة العدل.

كما توجهنا في اليوم ذاته في الفترة المسائية إلى وزارة الخارجية الأمريكية لنلتقي في مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل بالأستاذين الكريمين "وارن كوفسكي" و"عبد النور زئبق". والأخير فلسطيني الأصل من مدينة رام الله وتم بيننا وبينه تعارف وود أدى لأن يحملنا سلاماته لذويه وأقاربه في رام الله. وقد دعي أيضاً للحضور مسئول يهودي وكان الموضوع الذي تم نقاشه حاسماً ومهماً وهو: "السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط بما في ذلك دور الأديان في العلاقات الدولية والتواصل الأخير للرئيس أوباما مع العالم الإسلامي".

وتقوم وزارة الخارجية في العادة بتقديم المشورة للرئيس الأمريكي في صياغة السياسة الخارجية وتنفيذها. وبصفته رأس السلطة التنفيذية يتحمل الرئيس المسئولية الشاملة عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة. والهدف الأساس لوزارة الخارجية في إدارة العلاقات الخارجية هو تعزيز أمن ورفاه الولايات المتحدة في الأمد الطويل، وتحدد الوزارة وتحلل الحقائق المتعلقة بالمصالح الأميركية في الخارج، وتضع التوصيات السياسية وتوصي بالعمل في المستقبل، وتنفذ السياسة المقرة.

كما أنها تنخرط في مشاورات مستمرة مع الجمهور الأمريكي، والكونجرس، وغيره من الدوائر والوكالات الحكومية. وكذلك مع الحكومات الأجنبية. وهي تفاوض على المعاهدات والاتفاقيات مع الدول الأجنبية، وتمثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة وفي أكثر من خمسين منظمة دولية كبرى تشارك الولايات المتحدة فيها، وكذلك في أكثر من ثمانمائة (800) مؤتمر دولي تنعقد سنوياً.

وقد طرحنا في هذه اللقاءات الكثير من المحاور ذات الإهتمام منها الشأن الفلسطيني قضية وشعباً، ومنها المؤسسات والجمعيات الإسلامية التي أغلقت في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش، ومنها المسلمون الذي قد أودعوا السجون ظلماً ودونما دليل سواء أكان ذلك على الأرض الأميركية أو خارجها كسجن غوانتناموا على سبيل المثال، وغير ذلك من موضوعات تهم الشأن العربي والإسلامي. وكانت حوارات بناءة وجيدة جداً وفيها الإيجابيات الكثيرة. بل وتعرضنا في تساؤلاتنا لهم وحواراتنا معهم إلى السجناء السياسيين لدى بعض الأنظمة في بعض الدول. الشاهد من ذلك أننا كوفد لم نترك شاردة ولا واردة إلا تعرضنا لها بالتساؤل والنقاش والحوار بل والطلب.

وفي صبيحة يوم الخميس تاريخ 16/7/2009م توجه الوفد إلى مجلس الشئون الإسلامية العامة (إم بي أيه سي). وكان معنا في هذا اللقاء وفد مركز القدس للدراسات والإعلام الإسلامي وتلفزيون القدس التربوي، وهو محطة إعلامية محلية متلفزة يتبع لجامعة القدس. وقد سبق لي أن ألمحت إلى هذا الوفد في الحلقة الثالثة التي سبق نشرها بتاريخ 30/8/2009م. وقد قابلنا في هذا المركز شاب مسلم من أصل أفغاني يقيم في الولايات المتحدة منذ زمن وقد تلقى تعليمه الجامعي في جامعة نورتريدج بولاية كاليفورنيا واسمه هارس (حارس تارين) وحارس لفظة عربية بحتة كما هو مبان.

للمركز ومديره نشاطات كثيرة أريد أن آخذ الزبدة منها وحصة الأسد من هذه النشاطات كما أراها أنا شخصياً، حيث هذا المجلس هيئة خدمات عامة تعمل من أجل الحقوق المدنية للمسلمين الأمريكيين. ويقوم هذا المجلس أيضاً بنشاطات من أجل وجود جالية إسلامية أمريكية حيوية وذلك منذ عام (1988م). وهو يعمل –وهذا هو الزبدة وبيت القصيد- انطلقا من قناعة أساسية بأن إحداث تغيير في السياسة الأمريكية يتطلب جهوداً مستمرة في ائتلاف مع جماعات من ذوي الأفكار المتشابهة على المستويين الشعبي والوطني.

بمعنى لا بد من الإنخراط في العمل المجتمعي ومؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية. والبحث هنا بالأسباب يطول. لكن باختصار شديد جداً هذه هي فلسفة اتخاذ القرار في الولايات المتحدة الأمريكية تنطلق أول ما تنطلق من القاعدة الشعبية والجماهيرية قبل أن تكون في أروقة ودهاليز السياسة العليا على مستوى الحكومة الفدرالية.